الأحد، 22 مايو، 2011

كلنا .."نون"





كلنا .."نون" , هذه هى النتيجة التى خرجت بها من اللقاء الذى نظمناه من خلال "نظرة للدراسات النسوية " مع الكاتبة " سحر الموجى " منذ أسبوع .
كان من المفترض أن يكون اللقاء للحديث عن روايتها الهامة " نون " و لكن بقصد أو بدون قصد تطرق الحديث الى أشياء أخرى كثيرة قليلا ما نبوح بها أو نتحدث عنها .
كلنا "نون" كلنا يحيا بداخلنا عدد لا بأس به من الرجال و النساء الذين يأبوا الخروج الى النور أحيانا كثيرة , لا لشىء الا لأننا اعتدنا تاريخيا أن نقمعهم بشكل غير واعى خوفا من منظومة مجتمعية تختزلنا فى أدوار بعينها تنطلق من كوننا اما رجالا أو نساء و لا عزاء للخارجين عن المنظومة.
كان واضحا خلال اللقاء تأثر د. سحر الموجى بفكرة الكاهنات المقدسات التى استلهمت منها السياق النفسى و التاريخى لبطلات و أبطال روايتها "نون ".
هؤلاء الكاهنات اللائى كن تجسيدا للالهة النساء على الأرض ,و كن يمنحن الحب , الغناء , النشوة و الحياة للغرباء الذين يجيئون من بلاد بعيدة بحثا عن ملجأ .
تلك الكاهنات اللائى تم قمع وجودهن تاريخيا و أصبحن يذكرن على مضض فى كتب التاريخ بعد تغيير لقبهن من الكاهنات المقدسات الى العاهرات المقدسات , بحيث يصبح تشويه الحقائق التاريخية ضرورة من أجل ارضاء ثقافة ذكورية ذات معايير مزدوجة و متناقضة مدت جذورها فى المجتمعات الانسانية منذ قرون طويلة , و مازلنا الى الان نحاول الخلاص من تشوهاتها.
من أهم الأشياء التى جعلت لقاءنا مع "سحر الموجى " مميزا هو محاولتنا بالتعاون معها لقراءة البعد الاجتماعى , الثقافى و النفسى لفكرة الكاهنة المقدسة و كيف أنه فى داخل كل منها وجوه نفسية متعددة بعضها نسوى و بعضها ذكورى , و أن صراع هذه الوجوه مع بعضها البعض يجعلنا نعيش فى حالة من التمزق بينما تعد محاولة التعايش مع هذه الوجوه المختلفة فى سلام خطوة فى رحلة ايجاد الذات و التى قد تستمر لسنوات و سنوات.
هذه الوجوه مرتبطة ارتباط وثيق بفكرة " الجندر " و بفكرة الدور الاجتماعى الذى نمارسه , ففى الوقت الذى يحاول الرجل كثيرا أن يمحو النساء الذى يعشن بداخله بحيث يصبح فى النهاية النسخة التى يقبلها المجتمع , تفعل المرأة العكس تماما بنفس المنطق لأنها فى النهاية مجرد أداة جنسية بالنسبة للمجتمع الذى ينتظر منها أن تكون أنثى بكل ما تحمله الكلمة من معانى و كفى .
و لأن الجنس هو تابوه فى مجتمعاتنا بشكل أو بأخر تأخذ تلك الأدوار الاجتماعية  بعدا جنسيا بشكل أو بأخر بحيث يتم قمع السلوكيات او الميول أو الحريات الجنسية التى لا تصب فى صالح المنظومة القيمية أو الثقافية للمجتمع و التى لا ترى بدورها الا مؤسسة الزواج كمجال وحيد و أوحد للتعبير الجنسى .
و حتى داخل مؤسسة الزواج ترغمنا الثقافة المجتمعية على أن نقدم وجها و دورا واحدا طوال الوقت ينطلق من منظور جنسى فى النهاية , فالرجل كثيرا ما يتصور أنه نظرا لاعتلاءه المرأة على السرير فبالتالى يصبح من حقه أن يعتليها اجتماعيا سواء داخل البيت أو خارجه .
"مازلنا واقفين عند مدرسة فرويد النفسية , لم نتجاوزها حتى الان " ..هكذا قالت
د. سحر عندما سألناها عن سبب تلك الحالة من الهوس الجنسى التى تفرض نفسها على الأدوار النفسية و الاجتماعية التى نلعبها داخل المجتمع .
نعم عجزنا حتى الان ان نتجاوز أوهام التفوق الجنسى و النفسى للرجال على النساء التى رسخها فرويد , و بالتالى لم نصل بعد الى مرحلة " يونج " الذى يكشف أن بداخل كل منا رجل و امرأة بوجوه مختلفة تعيش و تتعايش سويا , أى اننا مازلنا سجناء الأوهام النفسية و الاجتماعية التى خلقتها المنظومة الذكورية و التى نحيا فى كنفها .
وفقا ل" سحر الموجى " فان المسألة لها أيضا أبعادها السياسية , فمثلما كان جورج بوش التجسيد السياسى الأعظم لذكورية الرجل الأبيض الذى يخوض حروبا دامية لتحقيق انتصارات وهمية , نجد على الجانب الاخر الثورة المصرية كانت حريصة طوال أيام المظاهرات على التمسك بالشق الانسانى و الذى يصطلح على تسميته النسوى من ثقافتها القديمة , ظهر ذلك واضحا فى تمسكنا بسلمية المظاهرات , بالغناء , و بالرقص و الحياة رغم أننا كنا نعلم ان الموت قد يجىء فى أى لحظة .

لقاء " سحر الموجى " استمر لأكثر من ساعتين تطرق فيها النقاش لمواضيع أكثر عمقا و انسانية , و لكن يظل العنصر الأكثر سحرا فى النقاش هو قدرتها على ازاحة الغطاء على صراعاتنا  النفسية التى من كثر تشابهها أحيانا نتصور أنها الأصل رغم ان الحقيقة هى أن الرحلة حقا طويلة من أجل الوصول الى تلك الحالة من التحقق النفسى و التسامح مع الذات حتى و ان وقف المجتمع حائلا بيننا و بين ذلك التسامح المنشود.