الأحد، 22 مايو، 2011

كلنا .."نون"





كلنا .."نون" , هذه هى النتيجة التى خرجت بها من اللقاء الذى نظمناه من خلال "نظرة للدراسات النسوية " مع الكاتبة " سحر الموجى " منذ أسبوع .
كان من المفترض أن يكون اللقاء للحديث عن روايتها الهامة " نون " و لكن بقصد أو بدون قصد تطرق الحديث الى أشياء أخرى كثيرة قليلا ما نبوح بها أو نتحدث عنها .
كلنا "نون" كلنا يحيا بداخلنا عدد لا بأس به من الرجال و النساء الذين يأبوا الخروج الى النور أحيانا كثيرة , لا لشىء الا لأننا اعتدنا تاريخيا أن نقمعهم بشكل غير واعى خوفا من منظومة مجتمعية تختزلنا فى أدوار بعينها تنطلق من كوننا اما رجالا أو نساء و لا عزاء للخارجين عن المنظومة.
كان واضحا خلال اللقاء تأثر د. سحر الموجى بفكرة الكاهنات المقدسات التى استلهمت منها السياق النفسى و التاريخى لبطلات و أبطال روايتها "نون ".
هؤلاء الكاهنات اللائى كن تجسيدا للالهة النساء على الأرض ,و كن يمنحن الحب , الغناء , النشوة و الحياة للغرباء الذين يجيئون من بلاد بعيدة بحثا عن ملجأ .
تلك الكاهنات اللائى تم قمع وجودهن تاريخيا و أصبحن يذكرن على مضض فى كتب التاريخ بعد تغيير لقبهن من الكاهنات المقدسات الى العاهرات المقدسات , بحيث يصبح تشويه الحقائق التاريخية ضرورة من أجل ارضاء ثقافة ذكورية ذات معايير مزدوجة و متناقضة مدت جذورها فى المجتمعات الانسانية منذ قرون طويلة , و مازلنا الى الان نحاول الخلاص من تشوهاتها.
من أهم الأشياء التى جعلت لقاءنا مع "سحر الموجى " مميزا هو محاولتنا بالتعاون معها لقراءة البعد الاجتماعى , الثقافى و النفسى لفكرة الكاهنة المقدسة و كيف أنه فى داخل كل منها وجوه نفسية متعددة بعضها نسوى و بعضها ذكورى , و أن صراع هذه الوجوه مع بعضها البعض يجعلنا نعيش فى حالة من التمزق بينما تعد محاولة التعايش مع هذه الوجوه المختلفة فى سلام خطوة فى رحلة ايجاد الذات و التى قد تستمر لسنوات و سنوات.
هذه الوجوه مرتبطة ارتباط وثيق بفكرة " الجندر " و بفكرة الدور الاجتماعى الذى نمارسه , ففى الوقت الذى يحاول الرجل كثيرا أن يمحو النساء الذى يعشن بداخله بحيث يصبح فى النهاية النسخة التى يقبلها المجتمع , تفعل المرأة العكس تماما بنفس المنطق لأنها فى النهاية مجرد أداة جنسية بالنسبة للمجتمع الذى ينتظر منها أن تكون أنثى بكل ما تحمله الكلمة من معانى و كفى .
و لأن الجنس هو تابوه فى مجتمعاتنا بشكل أو بأخر تأخذ تلك الأدوار الاجتماعية  بعدا جنسيا بشكل أو بأخر بحيث يتم قمع السلوكيات او الميول أو الحريات الجنسية التى لا تصب فى صالح المنظومة القيمية أو الثقافية للمجتمع و التى لا ترى بدورها الا مؤسسة الزواج كمجال وحيد و أوحد للتعبير الجنسى .
و حتى داخل مؤسسة الزواج ترغمنا الثقافة المجتمعية على أن نقدم وجها و دورا واحدا طوال الوقت ينطلق من منظور جنسى فى النهاية , فالرجل كثيرا ما يتصور أنه نظرا لاعتلاءه المرأة على السرير فبالتالى يصبح من حقه أن يعتليها اجتماعيا سواء داخل البيت أو خارجه .
"مازلنا واقفين عند مدرسة فرويد النفسية , لم نتجاوزها حتى الان " ..هكذا قالت
د. سحر عندما سألناها عن سبب تلك الحالة من الهوس الجنسى التى تفرض نفسها على الأدوار النفسية و الاجتماعية التى نلعبها داخل المجتمع .
نعم عجزنا حتى الان ان نتجاوز أوهام التفوق الجنسى و النفسى للرجال على النساء التى رسخها فرويد , و بالتالى لم نصل بعد الى مرحلة " يونج " الذى يكشف أن بداخل كل منا رجل و امرأة بوجوه مختلفة تعيش و تتعايش سويا , أى اننا مازلنا سجناء الأوهام النفسية و الاجتماعية التى خلقتها المنظومة الذكورية و التى نحيا فى كنفها .
وفقا ل" سحر الموجى " فان المسألة لها أيضا أبعادها السياسية , فمثلما كان جورج بوش التجسيد السياسى الأعظم لذكورية الرجل الأبيض الذى يخوض حروبا دامية لتحقيق انتصارات وهمية , نجد على الجانب الاخر الثورة المصرية كانت حريصة طوال أيام المظاهرات على التمسك بالشق الانسانى و الذى يصطلح على تسميته النسوى من ثقافتها القديمة , ظهر ذلك واضحا فى تمسكنا بسلمية المظاهرات , بالغناء , و بالرقص و الحياة رغم أننا كنا نعلم ان الموت قد يجىء فى أى لحظة .

لقاء " سحر الموجى " استمر لأكثر من ساعتين تطرق فيها النقاش لمواضيع أكثر عمقا و انسانية , و لكن يظل العنصر الأكثر سحرا فى النقاش هو قدرتها على ازاحة الغطاء على صراعاتنا  النفسية التى من كثر تشابهها أحيانا نتصور أنها الأصل رغم ان الحقيقة هى أن الرحلة حقا طويلة من أجل الوصول الى تلك الحالة من التحقق النفسى و التسامح مع الذات حتى و ان وقف المجتمع حائلا بيننا و بين ذلك التسامح المنشود.

الأربعاء، 9 مارس، 2011

رواية شاهد على أحداث مسيرة النساء المليونية الحزينة


 شكر خاص ل : رانيا المراغى من "الميدان" لترجمتها للنسخة الانجليزية من المقال:
(www.meedan.net)

كنت هناك وشاهدت ما يحدث  في "مسيرة النساء"  في الثامن من مارس/ آذار  خطوة بخطوة  وحتى نهايتها بأحداث عنف مشوبة بالخزي.

كان من المفترض أن تتخذ المسيرة شكل مبادرة شعبية للاحتفال باليوم العالمي للمرأة على محورين متوازيين: الأول: مسيرة لتكريم شهداء وشهيدات  الثورة. الثاني: رفع لافتات تحمل شعارات مطالب المشاركين في المسيرة.

كانت المبادرة مستقلة  دون أحزاب سياسية أو منظمات لكنهم أبدوا دعمهم للمسيرة كما وعد ائتلاف  المنظمات النسوية المصرية أن يكون معنا في ميدان التحرير وهو ماحدث بالفعل. كنا ومازلنا  لانمثل سوى أنفسنا: نحن مجموعة من الشباب والشابات نؤمن بحقوق المرأة. نحن لانمثل المنظمات أو المؤسسات التي نعمل معها. لم تكن مطالب المسيرة استفزازية ولكنها كانت مثيرة للجدل على الرغم من عدالتها. معظم المطالب كانت حول كتابة دستور مدني جديد يضمن المساواة بين جميع المصريين وينهي جميع أشكال التمييز ضد أي وكل مصري. ارتكزت بعض المطالب على إصدار مجموعة من التشريعات والقوانين تمنح المرأة حقوقها  المشروعة وتحميها من العنف سواء داخل الأسرة أو في المجتمع.  أما المطلب الأخير والأكثر إثارة للجدل  فهو عن حق المرأة في الترشح لرئاسة الجمهورية – ذلك هو المطلب الذي رفضه كل من كان في التحرير تقريبا إذ بدا أنهم ليسوا من أنصار حقوق المرأة.


قبل التطرق إلى ماحدث في المظاهرات، علينا أن نوضح أننا توقعنا عدم تاييد الناس للقضية وأنهم قد يحاولوا إعاقة  توصيل الرسالة بل ومحاولة منع توصيلها.

وفي أثناء  اجتماعاتنا الأولى للإعداد للمسيرة وهدفنا منها،  توقعنا أن الكفاح في سبيل تلك القضية لن يكون باليسير ولذا فقد أكدنا على أنه لاينبغي أبدا أن تنفصل مطالبنا عن المطالب السياسية الرئيسة التي هي مطالب المصريين كافة في هذه المرحلة الحرجة في تاريخنا. ولهذا السبب عملنا على أن تلم  مطالبنا شملنا بوصفنا مواطنين مصريين مثل تأكيد المعنى الحقيقي للمواطنة في مصرنا الجديدة؛ مواطنة  تعني المساواة بين الرجال والنساء، المسيحيين والمسلمين؛ مواطنة  تعني العدالة الاجتماعية. توقعنا أن الرد قد يكون عنيفا لكن ليس لدرجة ماحدث.



أنا شخصيا توقعت أنه لن يكون سهلا أن تخرج للشارع مطالبا بحقوق المرأة في مجتمع ذكوري. توقعت ذلك  بوصفي واحدا من رجال ونساء متعاطفين مع هذه القضية  كانوا جميعا يعملون من أجل هذه المسيرة ووزعوا دعوات لها في الميدان قبلها بعدة أيام. اتضحت صعوبة  المهمة التي كانت من المفترض أن تكون سهلة عليّ  لأنني رجل.

مازلت أتذكر التعليقات التي سمعتها مساء ذلك اليوم. قال لي رجل كان يتجول في الميدان بصحبة زوجته: " ديمقراطية للستات؟ الستات كمان". رددت عليه بأن الشهداء كانوا من الجنسين.


سألني آخر عن سبب المسيرة وعندما أخبرته قال: "كلام فارغ.  تحب تشوف المرأة في مكانة أعلى من الرجل؟" فأجبته: " لا عايز مصر تانية  لن توجد أبدا مادام الرجال مستمرين في  إقصاء النساء." أسوأ التعليقات التي سمعتها كانت من رجل قال لي: إن النساء حصلن على حقوق أكثر مما يستحقن بالفعل. التعليقات الثلاث أو الأربع كانت كافية  لإثبات أن الثامن من مارس سيكون يوما مشهودا.


استيظت مبكرا صباح يوم المسيرة وذهبت مباشرة إلى الميدان حيث كان من المفترض أن التقي بأصدقائي  من المنظمين لها. وفي حوالي الثانية مساء، بدأنا في نقل الصناديق التي كانت تحوي المواد الدعائية للمسيرة بأحجامها المختلفة الى منطقة معينة في الحديقة الوسطى بالميدان التي مازال المتظاهرون ينصبون خيامهم بها. حاولنا بقدر الإمكان إبقاء الصناديق مغلقة حتى ينضم إلينا الباقون من المشاركين في المسيرة لكن البعض كانوا على قدر كبير من الفضول لمعرفة مابداخلها فاضطررنا إلى توزيع بعض المنشورات التي تضمنت مطالب المسيرة عليهم ليلقوا نظرة عليها. تلك كانت  الشرارة الأولى للأزمة. فجأة وجدت نفسي وزملائي منخرطين في مناقشة مهينة دون جدوى مع الكثير من الموجودين في الحديقة آنذاك.

سألونا أولا: هل تؤمنون بماهو مكتوب؟ هل أنتم من كتبتوها؟


بمجرد ما أجبنا بنعم، بدأ سيل من الأسئلة والاتهامات ينصب على رؤوسنا.  القائمة كانت تعج بالاتهامات من  عينة:

         أنتم حفنة من الكفرة من محاربي الإسلام.

         مطالبكم ضد الشريعة الإسلامية.

       إذن  هل تطالبون أيضا بحق المرأة في أن تتزوج أربع  أسوة بالرجال؟

        أنتم تريدون أن تحولوا مصر إلى دولة غربية لاتحترم الأديان.

      أما أطرف الأسئلة فكانت من الشخص الذي كان يتحقق من بطاقات هويتنا  حيث سألنا: كم دفعوا لكما؟

سألناه بدورنا عما يقصده فأجاب: كم دفعوا لكما لتصرفوننا عن قضيتنا الأساسية  وتعملوا في صالح الثورة المضادة؟

وبعد ذلك النقاش، تم طردنا مع منشوراتنا من الحديقة . ومع ذلك، فأنا لاألوم  الأشخاص الذين طردونا  حيث أعتقد أن ذلك اليوم كان مشوبا بالتوترات والصدامات بين المسلمين والمسيحيين  لذا فقد بدأ البعض يشعر بحالة من البارانويا.

وعلى أي حال، فقد انضممنا قيما بعد لائتلاف المنظمات النسوية على الجانب الآخر من الميدان.  وكان هذه هو الوقت الذي بدأت فيه المعركة الحقيقية.

ربما كنا نفتقر إلى التنظيم الجيد أو أننا ارتكبنا أخطاء عادية. ربما لم يكن خطابنا واضحا بما يكفي  مع إثارته للجدل في الوقت نفسه  لكنني متأكد من أن عددنا لم يكن يفوق مئة رجل وامرأة نرفع اللافتات ونردد شعارنا وهو : "نريد دستورا جديدا يقضي على التمييز"  بينما قام بتطويقنا مالايقل عن 300 رجل من أعمار مختلفة تصرفوا بعدوانية  وعنف شديد معنا. معظمهم من طبقة العمال وبدا بعضهم من البلطجية. كان العنف في البداية بالقول  فقط إذ كانوا يتعاملون معنا على أننا  مجموعة من المومسات والقوّادين الذين يريدون  حرمانهم من الدين ويروجون للفاحشة.

اتهمونا أيضا بالعمل لمصلحة  زوجة الرئيس السابق. البعض الآخر اتهمنا بالعمالة للغرب وبأننا نعمل لصالح أجندات أجنبية.

ما أثار حفيظتهم هو  رؤية الرجال يحملون نفس اللافتات أيضا. بعضهم أشار نحوي [في احتقار] واتهمني بأنني من المثليين وعلي أن أضع طرحة على رأسي لأنني عار على الرجال. كنت أرى في عيونهم التهديد باستخدام العنف معي ومع الآخرين.

وسرعان ما تغير الشعار فبدلا من الشعار الشهير: الشعب يريد إسقاط النظام، أخذوا يرددون "الشعب يريد إسقاط النسوان."  وهي الكلمة العامية المصرية المرادفة للنساء. وسألنا أحدهم: لماذا أرسل الله تعالى الرسل أنبياء ولم يرسل نبيات. وأخذت مجموعة أخرى من الأصوليين بلحي كثة يرددون: "صوت المرأة عورة " وهذا بالطبع غير حقيقي ولايٌعقل.



انتهت المظاهرة بعدها بساعتين  إذ كان من الواضح أنهم ينوون استخدام العنف معنا.

كنا نظن أن الأمر انتهى لكننا وجدناهم يجرون وراء الكثير من الفتيات في الميدان محاولين التحرش بهم جنسيا وضربهم. الكثير من زميلاتي تعرضوا لتحرش وحشي من جانب شباب صغار أخذوا يتحسسونهم ويمسكون صدورهن بل وحتى أعضائهن التناسلية في ظل غياب شبه كامل للجيش  والذي تدخل في النهاية بإطلاق أعيرة نارية في الهواء لوضع حد للتحرش وقد نجحوا في النهاية.

القصة لم تنته. ثمة دروس وملاحظات علينا أن نعيها وهي كالتالي :



1- ماحدث اليوم من تحرش جنسي أو من ترديد لشعار [الشعب يريد إسقاط النسوان] يعبر عن حقيقة مؤسفة نعرفها تمام المعرفة  ألا وهي أن المجتمع المصري من أكثر المجتمعات الذكورية الأبوية  في الشرق الأوسط حيث  يطبق  فكرة  الدرجات أو المراتب  بحسب الجنس. معظم الرجال يظنون أنهم يعتلون نسائهم في الفراش  ولذا فإنهم لابد أن يعتلونهم في الحياة أيضا. لا يرون النساء بعيدا عن ذلك المنظور الجنسي المهين للمرأة. هذا هو سبب التحرشات الجنسية.  إنهم لا يتحرشوا بالنساء لرغبة جنسية وإنما ليثبتوا قدرتهم على إهانة أجساد النساء. الأمر كان رغبة في قهرهن جنسيا أكثر من كونها رغبة في التحرش بهن.

2- من العبث القول بأن تلك الثقافة الذكورية التي تنمو أكثر وأكثر في ظل بيئة الجهل التي تتبنى نظرة خاصة بها  للإسلام كأساس للتأكيد عليها ستنتهي برحيل مبارك. جذور تلك الثقافة أعمق مما نتصور واجتثاثها يتطلب وقتا وجهدا كبيرا وهذا ينقلنا للنقطة التالية.


3- على الحركات والمنظمات النسوية  انتهاج استراتيجية جديدة في المسيرات القادمة. لابد أن تعتمد هذه الاستراتيجية على حشد دعم شعبي باستخدام لغة بسيطة ومقنعة تجعل الجميع يؤمن أن ماتطالب به المرأة ماهو إلا تطبيق للمعنى الحقيقي للمواطنة التي ذكرناه من قبل. الجزء الآخر من الاستراتيجي هو البحث عن حلاء يعملون معنا للكفاح من أجل تحقيق نفس الحقوق. المسيحيون  على سبيل المثال يعانون من تمييز مماثل وهم يطالبون أيضا بقيام الدولة المدنية. الأمر نفسه ينطبق على المثقفين والجماعات الليبرالية والعلمانية الذين يحلمون بالأمر نفسه لكنهم يلوذون بالصمت منذ أمد طويل. إذا اتحدث تلك المجموعات الثلاثة على سبيل المثال، وأظهرت تضامنها فستتغير الأمور تماما على الأقل في ميزان ديناميكية القوى.

4- لاأعتقد أن الشكوى والأنين هو ماعلينا أن نقوم به الأن لأنني أعتقد أننا حققنا الكثير على الرغم من وحشية وعنف وقسوة الهجوم الذي تعرضنا له وعلى الرغم من الأخطاء التي ارتكبناها. لقد نجحت المرأة على الأقل للمرة الأولى منذ عصور طويلة في الخروج للدفاع عن قضيتها وأن تعلن عن وجودها. المحاربة في سبيل الحرية لم تكن أبدا سهلة ونحن نعلم ذلك. نعلم أيضا  أنه لن يقوم أي شخص بجلب حقوقك لك  إلى منزلك بينما تقبع أنت لاتفعل شيئا. الحياة ليست وردية كما أن النساء المصريات ليست ضعيفات. ربما لم يفزن في الجولة الأولى لكن من قال إن المعركة انتهت؟  نعرف جميعا أن الأمر سيستغرق سنوات  لأنها حرب سياسية وثقافية واجتماعية. نعم سنصاب بالإحباط أحيانا لكن مادمنا ندرك عدالة قضيتنا، فستظل تستحق محاربتنا من أجلها

الثلاثاء، 8 مارس، 2011

A man who witnessed the tragic Egyptian million march for women




I was there and I have seen it coming then happening eventually. the shameful  and violent ending of the “ women’s march ‘ on the 8th of march 2011 .
The march was supposed to be a popular initiative to celebrate the International women day in two parallel ways, 1st by arranging an honorary march that’s dedicated to the female and male martyrs of the revolution , and 2nd by holding banners on which the slogans , mottos and demands  of the  march were written .
The initiative was totally independent , no organizations or political parties were involved , however they offered  their support to the march and the coalition of Egyptian feminist organizations promised to be with us in “ Tahrir “ square which actually happened.
We were and still are representing ourselves as young men and women who believe in women rights .we were not representing   the organizations nor the foundations we are working with  .
The demands were not provocative yet controversial and fair at the same time. Most of them were related to writing a new civilian constitution that guarantees equality for all Egyptians and ends all sorts of discrimination against any one and every one. Some of the demands were based on the need of setting a serious of legislation and laws that give women their fair rights and on the other side protect them from violence indoors or outdoors. The last and most controversial demand was mainly about women’s right to run for presidency which seems to be rejected by almost all of the people that were out there in ( Tahrir ) square who didn’t seem to be huge fans of  ( women rights ).
Before going through what happened during the demonstrations we have to make it clear that we expected that people may not support the cause , they may try to interrupt our message , and that they may try to be against delivering it .
 Even in our first meetings when we’ve been working on what we want to achieve through this march we expected that the fight for the cause will never be easy and this is why we made sure that our demands should never be separated from the main political demands of all Egyptians at this critical moment of our history . this is also why we tried to work on things bring us together as Egyptian citizens like emphasizing the real meaning of citizenship for a new Egypt , citizenship in terms of equality between men and women , Muslims and Christians ,  and   citizenship in terms of  social and human  justice . we expected that the response can be tough but not to that extreme.
I personally expected that It will never be that easy to go in the streets asking for women rights in such a patriarchal community , I expected it as one of many and many other passionate men and women for the cause  who tried to organize and work on that march  while distributing the publications  of the demonstration in Tahrir square a couple of days ago .
The mission that was supposed to be easy for me as a man came out to be a hard one .
I still remember the comments I’ve heard that night. A man who was walking around the square with his woman stared at me and said “ democracy for women ? even women ? “ so I told him that the martyrs included men and women .
Another one asked me about the reason for the march and when I told him , he replied “ that’s nonsense , would you love to see women being superior over men ? “ I answered him saying “ no I need another Egypt that will never be there if men keep moving women away “ .
the most superficial comment I got was from a man who said “ they took more rights than what they really deserve “ . 3 comments or even 4 were enough for me to realize that  the 8th of march is going to be a day to always be remembered .
today on the march’s day , I woke up early and went directly to the square where I was supposed to meet my friends who are working on the march with me . at about 2 pm we started moving the boxes having publications of different sizes in them  to a certain point in the middle garden of the square where the protesters are still camping . we tried as much as we could to keep the boxes closed till we meet the others who are joining the march , however people were so curious to know what’s inside the boxes that we had to give them some of the flyers that included the demands of the march to take a look at them , and that was when the whole crisis started .
suddenly I found myself and my friend involved in a very exhausting and humiliation conversation with many of the people who were in the garden at that time.
First they asked us ( do you believe in what’s written here? Are you the ones who wrote them down ?
Once we said ( yes ) a series of infinite questions and accusations started , and the list was really rich of the accusations like :
- you are a bunch of irreligious people that are fighting against  islam
- your demands are against Islamic Shari’aa .
- so do are you calling for woman’s right in getting married to 4 men just like the man ?
- you want to turn Egypt into some western country that doesn’t respect religions .
The funniest question for me was the one passed to us by one of the men who was checking our Identity cards before asking us ( how much did they pay you ? both of you )
So we answered him saying ( what do you mean? ) then he answered back ( how much did they pay you to distract us from our main cause and work for the counter revolution ? )
Later after that conversation we’ve been kicked out of the garden with our papers to the street, however I don’t really blame the people for kicking us out as I believe that there have been many tensions that day and clashes between muslims and Christians , so some how people started to be really paranoid.
Anyways , later we joined the coalition of feminist organizations on the other side of the square , and that was when the real battle started.
Maybe we were not well organized , maybe we made some normal mistakes , and maybe our speech was not clear enough and controversial on the same time , but what I know for sure that we were only about a 100 of men and women holding our banners , repeating our motto  “ we want a new constitution that ends discrimination “ while being trapped by not less than 300 men of different ages who are acting in a very aggressive and violent way against us.
Most of them belong to the working class and some of them seemed to be a group of thugs .
In the beginning the violence was only verbal .They were dealing with us like we are a group of prostitutes and pimps that want to deprive them of their religion and promote adultery for example .
They accused us of working for the former first lady’s interests . others of them accused us of being westernized or working for some foreign agendas .
What was really provoking for them is that men were holding the banners too . some of them pointed at me and described me as a fag who should wear a scarf over his head like women because he is a disgrace to the man kind . I could see clearly violent threats to me and the others in their eyes.
Their motto soon developed , they abused the famous motto of the revolution “ people want to bring the regime down “ and turned it into “ people want to bring the women down “ . they even used the Egyptian dialect of the word “ women .
One of them asked us “ why did god send male messengers not a female one ? and then later a group of  fundamentalist men with thick beards started shouting saying that “ women shouldn’t speak or shout in public as it’s not allowed in Islam “ which is not true and doesn’t even make any sense.
2 hours later the demonstration was over as it was obvious that they were planning to practice violence against us as protesters.
We thought it was really over before they started to run after many girls in the square harassing them sexually and beating them up . many close friends of mine were being brutally harassed where the young men touched and grabbed their boobs , and even vagina while the armed forces were almost absent except in the end when they started shooting in the air to put an end to the harassment which finally happened.
The story is not finished yet as there are many conclusions and notes that we should be aware of . these notes are :

1- what happened today either we are talking about the sexual harassment or even the motto that have been used against the march have only a manifestation of a terrible fact that we all know by heart , which states that the egyptian community is one of the most masculine and patriarchal communities in the middle east that applies this kind of hierarchy that’s obviously based on sex . most of the men think that because they top women on bed so they should be topping them in reality . they can’t see them away from this sexist and sexual  perspective , and that’s the main reason for the sexual harassment. They didn’t harass the women out of sexual desire but out of proving their power in manipulating and humiliating the women bodies. So it was more of a sexual subjugation not a sexual harassment .

2- it’s ridiculous to think that this kind of masculine culture  that is growing wider with the help of ignorance which supports  even adopting  a specific understanding of Islam to support its bases will be gone with Mubarak , actually this culture’s roots are much deeper than we think and to remove them you need time and huge effort which takes us to the next point.

3- for the upcoming marches the feminist movement and organizations in Egypt should start developing a whole new strategy that on one side depends on gaining grassroots and popularity through a convincing and simple discourse that makes every one believe that what women are asking for is nothing more than applying the real meaning of citizenship that we stated earlier, and on the other side we should start working on finding allies that fight for the same rights we are fighting for . Christians for example are also suffering from similar discriminations and a civilian country  is what they are asking for . the same goes for intellectuals , liberal and secular groups who are dreaming of the same , however have been silent for so long . if those three groups for example unite , and start showing solidarity things will absolutely be different at least in terms of power dynamics .

4- seriously I don’t believe that wining and moaning are what we should do now simple because I believe that in spite of how terrible , brutal and violent the attack was , in spite of the mistakes that we may have done , we have achieved a lot. At least for the first time in ages women were out defending their cause in the streets not behind the closed doors of the women organizations . they spoke out loud and said it clearly ( WE ARE HERE ) . fighting for freedom was never easy and we know that , as we also know that no one will ever deliver your rights to your home while you are meditating . life is not that pinky and the Egyptian women are not that fragile. Maybe they were not the winners on the first day , but who said that the fight is over , actually we all know it’s going to take years , because it’s more of a political , social and cultural fight .
Yes we’ll get disappointed some times , but as long as we know that our cause is just then it will always be worth fighting for its sake.

 Tarek Mostafa

الاثنين، 7 مارس، 2011

The secret reason for why I’m protesting tomorrow for women rights



When I was young , I used to be my mum’s best friend. She used to tell me every thing about herself. She used to share every single detail of her day with me . I knew her better than my only brother who is 3 years older than me . he was another macho copy of my father , and I made it clear since I’ve been a child that I would never be the same as the father and brother .
For the rest of my life my mother will always be the first lesson  on feminism  I’ve been taught though she has never been a feminist .
as far as I remember I was not much in love with my father. For me he has always been the cruel macho man who would always come home late , and he would always have this kind of aggressive and violent fights with my mum . I also remember that I always used to stand by my mother’s side , not because she was weak or fragile , but because she has always been and will always be the one and only heroine in my life .
till now I don’t know for sure why have I been that close to my mum more than my other brother  but I remember that not being a macho was never  a decision that I made on purpose , it was a part of my nature I believe , and my mum was the only person in my childhood who approved that fact unlike my father and my big  masculine family and that’s why for sure she has been my only shelter at that time .
I think that mum will never know that she is the main reason for why I am a feminist, she doesn’t know that I still remember those beautiful days when  I used to hang out with her. My mum was my guide to the true world of women that most of the men know nothing about. I used to accompany her in all her visits to her girlfriends. Yes they had children that I can play with , but I have been an observer. I can still  recall their conversations about their drama with the husbands , their suspicions about them and that they could be having an affair with other women.
I remember the days when I woke up to find my father is practicing violence against my mother for stupid and shallow reasons , I remember her tears , pain and her fight to restore her pride back .  many times she decided to leave the house , I was a child by that time nonetheless I always backed her decisions , I always hoped that she’d really leave the house and has her own separate life . every time she’d come back home one day after the fight for our sakes . I could see it in her eyes , the bitterness after losing the fight for her own dignity.
My dad was never a bad man , I misunderstood him when I was a child and loved him when I became a young man . but he knows that I couldn’t totally forgive him for all the times he broke her heart and turned her life into endless pain.
My father is a leftist who got married when he was 35 years old, and my mum was his conservative 10 years younger cousin. I can’t claim that he was a backward man , but still an Egyptian masculine man after all who doesn’t mind abusing power against his own wife.
My mother is a conservative woman however she was never similar to the other females in the family . she was not a feminist but a leader of a whole family and by family I mean my aunts and cousins. She used to be responsible for every single person in the great family and that was a fact that my dad would never approve as he always thought that his wife should be his own property. My mum is veiled but she has always been  a Vanguard woman at least for me . she was the only woman in the family that refused leaving her work after giving birth to her children as she believed that her education gave her power and her work gave her even a major power that she was never ready to give away.
She was the only woman in the family that would raise her voice if her husband tried to insult or humiliate her.
I can’t recall the reasons for her fights with my father but I can understand that the main reason would always be a sort of power conflict between the man and the woman in the house.
And I also understand that the reason for why I always hoped that she’d leave the house  one day is that for me she is a woman who has always been fighting for her dignity , actually for the women’s dignity even though she never realized that.
I always felt that she never got what she deserves in life . my dad should’ve worshiped her for all the sacrifices. He should’ve worshiped her for taking care of his two kids when he was detained for political reasons, when she accepted to get married in her brother’s house as he couldn’t afford a home at that time , when she had a note book in which she always documented all the money she had to borrow to spend on our expenses not to be a burden on his shoulder , and when she forgave him because she always knew that he loves her as much as she does.
I grew up as a different young man with all these stories on his mind .i never forgot them , actually I recalled  them when I founded a movement for women rights in my high school. I used to have these kind of meetings with my girlfriends trying to raise their awareness about their rights , about domestic violence against women and how they should stand for their own freedom .
Being a mother’s best friend helped me in being always close to my female friends and their own world. Day after day I learned how to feel , understand , and support them not out of being superior but of being a believer in them and their cause .
Being a mother’s best friend taught me how to respect and appreciate women , and  how to share a civilized relationship or friendship with them instead of sharing a bed  .
And also being a mother’s best friend helped me in observing all sorts of discrimination that the Egyptian society has always being practicing against its own women .
Two days ago when I was distributing the publications for the “ women’s march “ demonstration in Tahrir , I recalled my mum’s picture in my mind. I watched the scenes of her story in the face of every woman .
She  was and will always be my real inspiration in life. The love she used to give , the dignity she used to hold on to , and the pain she has been through have always been my motivations to be the man I am.
And I have to admit that I would’ve never been a feminist if it wasn’t for my mother. Because for me feminism is not about slogans, fancy meetings or even international conferences.  From my personal perspective and experience I would say that feminism for me is all about women’s daily and personal  fights for their dignity , pride and rights .

الجمعة، 4 مارس، 2011

لماذا " مليونية المرأة " ؟


يوم الخامس و العشرين من يناير نزل الالاف من المصريين للشوارع فى معظم محافظات مصر ان لم يكن جميعها لأول مرة ليعلنون غضبهم و سخطهم على أوضاع وطنهم الذى تمزقت أوصاله بفعل الفساد , القهر , القمع و تدنى الأوضاع الاقتصادية .
نزل المصريون فى ذلك اليوم بجميع أطيافهم رجالا و نساءا , مسلمين و أقباط , نخبة و عامة ليكونوا بمثابة الشرارة التى أشعلت لهيب الثورة التى لم تنته بتنحى الرئيس المخلوع " محمد حسنى مبارك "بل مازالت مستمرة حتى تصل مصر الى الديموقراطية الحقيقية التى يصبو اليها الجميع .
و فى خضم تلك الثورة الشعبية سقط عدد من الشهيدات و الشهداء الذين دفعوا الثمن لكى ننال الكرامة و الحرية التى نستحقها , و الذين بموتهم سطروا فصلا جديدا من تاريخ مصر تزال فيه جميع الفروق و تبقى حقيقة أن كلنا مصريون مثلما سقطت الكثير من الحواجز التى عطلت مسيرتنا لعقود  نحو العدالة و المساواة .
و سيظل أهم حاجز نجح المصريون فى اسقاطه منذ اليوم الأول للثورة هو تلك الرقابة الذكورية الفوقية التى طالما فرضها المجتمع المصرى على نساءه و التى نجحن بدءا من يوم الخامس و العشرين من يناير و طوال أيام الثورة  فى محاربته كجزء من نضالهن لأجل اسقاط النظام و تحرير بلادهن من الفساد.
لقد نزلت المصريات جنبا الى جنب المصريين منذ اليوم الأول للثورة و نالت أجسادهن ما نالته أجساد  الرجال من عنف الأمن المركزى بأشكاله المختلفة بدءا من العصى , مرورا بالقنابل المسيلة للدموع و وصولا الى الرصاص الحى و المطاطى . أصيب منهن من أصيب , و استشهد منهن من استشهد .
شكلن دروعا بشرية و وقفن فى اللجان الشعبية ..عشن وقائع موقعة الجمل و واجهن بلطجية الوطنى , لم يشغلهن وقتها ان كن نساءا أم رجال , أمهات أم شابات , مسلمات أو مسيحيات و تذكرن فقط أنهن مصريات .
و لأن ما فعلته المرأة المصرية ليس بجديد عليها ,  و ليس منفصل عن دورها الوطنى التاريخى الذى لعبته على مر العصور من أجل نهضة بلادها و تحريرها من أشكال الاستبداد المختلفة , لا يجوز بأى حال من الأحوال تجاهل
دورها فى تلك الثورة الشعبية او اغفال الثمن الذى دفعته كمواطنة مصرية مثلما لا يجوز تحت أى مسمى من المسميات أو أى شكل من أشكال الوصاية الأبوية , سياسية كانت أو اجتماعية أن يتم اقصائها عن الساحة السياسية خلال المرحلة القادمة المليئة بالتحديات الوطنية لنا جميعا كمصريين نساءا كنا أو رجالا .
لسنا نبحث عن مطالب فئوية , و لسنا طامعين فى مناصب سياسية , و انما كل ما نسعى الى تحقيقه هو فرص عادلة و متساوية  تكفل لكل مواطنة مصرية و كل مواطن مصرى الحق فى القيام بواجباتهم نحو وطنهم تحت مظلة دستور مدنى جديد يلغى كافة أشكال الوصاية و التمييز و يضمن للكل الحقوق الكاملة و المساواة التامة . و كل ما نبتغيه أن تتمكن المرأة من مواصلة دورها كمواطنة مصرية تشكل نصف المجتمع  فى العمل على انجاح تلك الثورة ضمانا للوصول الى أشكال  أوسع و أشمل لمعنى الديموقراطية .
من هنا تجىء تلك الخطوة " مليونية المرأة " و التى تأخرت كثيرا  فى سياق احتفال مصر باليوم العالمى للمرأة للتأكيد على ان المصريات لن يعدن الى صمت ما قبل 25 يناير مرة اخرى و أن الوقت قد جاء لكى ينلن حقوقهن المشروعة كمواطنات مصريات دفعن ثمن حريتهن و كرامة بلدهن مثلهن فى ذلك مثل أى مواطن مصرى شريف و لذا كان لابد من اهداء تلك المسيرة الى أرواح شهيدات و شهداء الثورة الذين علمونا دروسا فى النضال من أجل حقوقنا التى لن يمن بها أحد علينا بعد اليوم .

الاثنين، 28 فبراير، 2011

عبد الرحمن الذى لا أعرفه " قصة شهيد من السويس"



كنت قد قررت أن أقضى ليلة السبت الماضية 26 فبراير فى ميدان التحرير بعد أن علمت أن بعض أفراد الشرطة العسكرية قد نجحوا الليلة التى سبقتها فى فض اعتصام ميدان التحرير بالقوة . شعرت وقتها بالعجز و قررت أن الحل هو البقاء فى الميدان و ليحدث ما يحدث.
مضت الليلة بمخاوفها و أغنياتها الثورية و فى تمام السادسة صباحا و أثناء جلوسى مع بعض الأصدقاء فوجئت بأحدهم يدخل علينا و فى يده رجل كبير فى السن , أخبرنا أنه من السويس ثم قام بتعريفه فى جملة واحدة " ده أبو شهيد" ..صمتنا جميعا و تركناه هو ليتحدث .
" عبد الرحمن " ..اسمه " عبد الرحمن " أما عمره فلم يكن قد تجاوز الثامنة عشر عندما قررت رصاصات الخراب أن تنتزعها منه و تنتزعه هو من أحضاننا .
يوم الثلاثاء الخامس و العشرين من يناير جاء الرجل ذو السنوات الخمسين الى ميدان التحرير مثله مثل الاف من المصريين الذى اتفقوا يومها على أن يضعوا للذل نهاية و للقهر حدود , تاركا وراءه ابنه فى السويس لينضم الى زملاءه فى اطلاق شرارة الثورة الأولى امام ميدان الأربعين .
فى العاشرة صباحا انطلق شباب السويس فى فريقين ..فريق قادم من فيصل و الصباح و غيرها من المناطق و فريق اخر قادم من الغريب و بورتوفيق اما مكان اللقاء فكان من المفترض ان يكون ميدان الأربعين .
و لكن شاء القدر أن يتحول مكان اللقاء الى ثكنة عسكرية احتلتها قوات الأمن المركزى التى كانت متحفزة و مستعدة لانهاء الثورة قبل لحظة ميلادها .
وفقا ل" ابو عبد الرحمن " فان الاشتباكات كانت قد بدأت فى تمام العاشرة و النصف صباحا حيث شرعت القوات فى تفريق المتظاهرين باستخدام القنابل المسيلة للدموع و غير ذلك من اشكال العنف المتنوعة .
تراجع الشباب لوهلة خدعوا فيها القوات قبل ان ينقضوا عليهم مرة اخرى , و لكن المفاجاة التى لم يحسبوا لها حسابا كانت فرق القناصة التى كانت قد تمركزت فوق سطح " قسم شرطة الأربعين " لضرب المتظاهرين بالرصاص الحى .
كانت ساعة كاملة أو اكثر قد مرت على بدء الاشتباكات عندما سقط عبد الرحمن برصاصتين , احداهما فى عنقه و الاخرى فى صدره .
والده كان مازال فى ميدان التحرير عندما تلقى اتصالا من احدى زملاء ابنه يخبره بان " عبد الرحمن" قد اصيب و ان الافضل لابيه ان يعود الى السويس فى أسرع وقت ممكن .
انهى الاب المكالمة ليتلقى اتصالا اخر من اخيه اكتفى فيه بجملة واحدة " عبد الرحمن تعيش انت " ..
اسرع الاب كالمجنون يبحث عمن يطير به طيرا الى السويس , و عندما وصل الى هناك وجد مظاهرات حاشدة امام مبنى " المشرحة " حيث اصرت قوات الامن على التحفظ على الجثث و منعت الاهالى من استلامها و هو الامر الذى لم يكونوا ليقبلوا به حتى لو كلفهم الأمر حياتهم .  
لم يكن امام قوات الامن خيار سوى الاستسلام لقرار الأهالى , فكان الحل هو أن يصطحبوهم أثناء دفن أبنائهم فى " الروض القديم " و هو الذى تم بالفعل قبل ان يتبخروا تماما , فبمجرد انهاء مراسم الدفن لم يكن هناك وجود لأى عنصر من عناصر الأمن بمنطقة المدافن .
فجأة توقف " ابو عبد الرحمن " عن الكلام ..صمته استغرق ثانية حاول فيها استعادة قوته و منع دموعه من الاعلان عن نفسها , قبل ان يواصل حكايته .
قال لى انه ما ان ودع الأهالى فلذات أكبادهم الى مثواها الاخير , حتى انطلقت الثورة فى كل شوارع السويس لتنال من كل قسم شرطة خرجت منه رصاصة فى قلب شهيد من الشهداء , لتكتب السويس من اليوم الأول اول صفحة فى كتاب شهداء الثورة .
لا أعرف " عبد الرحمن " ..لم أره يوما ..و لكنى من السويس و أعرف وجوها كثيرة مثله ..تربيت معهم , و كبرت بجوارهم ..و أستطيع أن اكمل الرواية التى انهتها رصاصات العادلى و جيوشه .
عبد الرحمن كان بالصف الثالث الثانوى بمدرسة السويس الحديثة بنين ..
ربما لم يحصل على مجموع كبير فى العام السابق و لكنه كان يعلم أن كثير من الاستذكار هذا العام قد يدفع به نحو احدى كليات القمة , و ربما وقتها يستطيع ان يطلب من أباه ان يخطب له فتاته التى تعرف عليها و أحبها من النظرة الأولى فى " درس الكيميا" ..أبوه لم يكن ليعترض خاصة و انه الابن الوحيد.
حتى اذا لم ينجح فى الالتحاق بكلية من كليات القمة , أضعف الايمان انه سيقدم أوراقه فى كلية تجارة السويس ..و بمجرد أن ينهى دراسته سيساعده أبوه أو أى من أفراد عائلة " البلبوشى " العريقة و التى ينتمى اليها فى ايجاد فرصة عمل له فى احدى شركات السخنة , او ربما النصر للبترول ..او ربما الميناء ..او ربما و ربما ..
يوما ما كان سيذهب للتقدم لخطبتها ..."فتاة درس الكيميا" ..كان ليختار " جرين هاوس " او " نادى التجديف" مقرا لحفل الزفاف ..اما شقة الزوجية فكانت فى " عمارات التوفيقية " بالقرب من موقف السوبر جيت ..اشتراها له والده منذ عام ..لم يخبره عنها بعد ..ربما سيخبره عنها لاحقا ..
" عبد الرحمن " كان متدينا و لكنه لم يكن يوما متذمتا ..مثله مثل ملايين المصريين الذين يعيشون اليوم ما بين عشق للدنيا و حنين للاخرة ..عروسته محجبة و لكنه لم ليكن ليستطيع أن يمنع نفسه من ان يرقص معها حتى الصباح و لسان حاله يقول " هو الواحد بيفرح كام مرة "..

لا أعرف " عبد الرحمن " و لا اعرف عنه الا ما قاله أبوه ..و لا أعرف حتى ان كان قد عاش قصة للحب ام رحل قبل ان يتذوق حلاوته ..و لكنى اعرف ان مستقبله لم يعد معروفا لاى منا ..لان عمره الواقعى توقف عند سن الثامنة عشر و لكن عمره الحقيقى بدأ يوم الخامس و العشرين من يناير

السبت، 26 فبراير، 2011

لماذا علينا أن نعود الى ميدان التحرير ؟


من المنطقى أن يكون لأى ثورة سياسية و اجتماعية فى اى بقعة من بقاع العالم اعداء و لكن من غير المنطقى ان يكون العدو الحقيقى و الرافض للثورة هو الشعب نفسه و للأسف هذه هى الحقيقة التى تواجهها مصر و التى علينا الاعتراف بوجودها فبمجرد ان تتحدث عن ضرورة النزول الى ميدان التحرير مرة اخرى  لاستكمال ما بدأناه تجد عشرات الاصوات التى تحاول جاهدا اسكاتك مثلما تجدد عشرات المبررات التى تسوقها هذه الاصوات لاسكاتك و رغم تنوع المبررات الا ان الصفات التى ستنعت بها فى نهاية الامر لن تخرج عن 3 صفات اما انك مدمر او عميل او محرض , اى انك الجانى بينما المجنى عليه هى مصر التى يبدو انها منحتهم  هم وحدهم التوكيل للتحدث باسمها بينما حرمتك و استثنتك انت منه.
لسنا مدمرين , لسنا عملاء و لسنا مخربين و لكننا أيضا لن نقنع بفتات حرية.. و أشباه اصلاحات سياسية ..و أضغاث احلام حلمنا فيها بدولة مدنية .
نعم لقد منحتنا ثورة الخامس و العشرين من يناير روحا مختلفة جعلتنا نتمسك بالقتال حتى النفس الاخير و حتى اللحظة التى اعلن فيها " مبارك " تنحيه عن الحكم و هى نفسها اللحظة التى شغلتنا فيها نشوة النصر عن ادراك حقيقة ان الثورة لم تنته بعد و ان المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد ,
و بالفعل سرعان ما توالت الدعوات لاخلاء ميدان التحرير من المعتصمين من اجل بناء البلاد من جديد , تلك الدعوات التى بقدر ما تبدو نبيلة بقدر ما تنم عن جهل و كسل شديدين , فمن قال ان الثورة قد انتهت او ان المطالب قد تحققت . على اى حال فان تلك الروح التى منحتنا اياها الثورة سرعان ما تبخرت و خبت  على مستويات ثلاثة .
فمن ناحية اولى وجدنا انفسنا امام الكثير من المنتفعين و المتنطعين سياسيا  كبارا كانوا او صغارا  يحاولون القفز على الثورة  لتحقيق مكاسب شخصية او لنيل مقعد اما فى البرلمان الجديد او حتى الحكومة الجديدة .
و فجاة نسى الكثيرون ان اهم ما يحسب لتلك الثورة هى انها لم يكن لها قيادة و تبارت أسماء و حركات كثيرة فى نسج بطولات وهمية لها فى قيادة الثورة .
و بين ليلة و ضحاها تشكلت العشرات من الحركات و الاحزاب السياسية التى غالبا ما يلتحق باسمها لفظة " الثورة " كمحاولة لمنح تلك الحركات نوع من الشرعية الشعبية و بقدر ايمانى باهمية ظهور هذه الحركات كدليل على حراك سياسى مختلف و متنوع فى مصر الان , بقدر تخوفى من انقسام الصفوف و من الانشقاقات و الصراعات التى تدور ما بين هذه الحركات و بعضها البعض , صراعات تبدو و كأنها صراعات سياسية رغم انها تبدو لى و كانها صراعات على نصيب كل منهم فى " تورتة مصر" السياسية .

هذا من ناحية , و من الناحية الثانية  و رغم ان ثورة 25 يناير اوضحت الحجم الحقيقى للاخوان المسلمين الذين ارتدوا عباءة الثورة و اكدوا ايمانهم بالدولة المدنية و عدم طمعهم فى الوصول الى مقعد الرئيس او حتى اغلبية برلمانية الا ان التصريحات سرعان ما تبدلت فوجدنا "عصام العريان " يؤكد على ان الاخوان المسلمون لن يرشحوا امرأة او قبطيا فى الانتخابات الرئاسية القادمة .
فى الوقت نفسه الذى بدأت فيه الحركات الاسلامية الاخرى سلفية كانت او معتدلة فى الخروج مرة اخرى من الجحور للمطالبة بدولة " اسلامية ..اسلامية ..لا مدنية و لا عسكرية ".
تجاهلنا اصواتهم و غضضنا الطرف عن وجودهم , و راهنا على روح ثورة 25 يناير التى جعلت الناس تلتف حول حلم الدولة المدنية قبل ان تعيدنا بضعة حقائق صغيرة الى ارض الواقع كأن يترأس  المفكر الاسلامى " طارق البشرى " لجنة تعديل الدستور , او ان نجد انفسنا متورطين فى سجال حول الغاء المادة الثانية من الدستور او الابقاء عليها فيكون الرد هو خروج مظاهرات فى مناطق شتى تدافع عن بقاء المادة التى تجهض حلم الدولة المدنية بينما اجهضت قوات الجيش المظاهرة الصغيرة التى خرجت الى التحرير يوم الخميس و التى ضمت مسيحيين و مسلمين يطالبون بالغاء المادة من اجل مفهوم اعظم للمواطنة .
حاولنا مرارا ان نوهم انفسنا ان صوت الطائفية لن يعلو فوق صوت الدولة المدنية و لكن نظرة سريعة الى الواقع السياسى المصرى تجعلنا ندرك ان الاسلاميون يكادوا يكونوا القوى السياسية الاكثر تنظيما فى غياب واضح لليسار المصرى او القوى الليبرالية المصرية و بالتالى و فى ظل صمت أقباط مصر و خوف العلمانيين التنويريين من الظهور لا نملك الا الاستسلام تارة لمخاوفنا المشروعة من استيلاء الاسلاميين على السلطة و الايمان تارة اخرى بان المعركة لم تنته بعد و اننا مازلنا نملك الفرصة للقتال من اجل الدولة المدنية التى نحلم بها .

من ناحية ثالثة مازال موقف المجلس الاعلى للقوات المسلحة محيرا , فمنذ خروج الجيش الى الشوارع فجر السبت 29 يناير و الجماهير ملتفة حوله معبرة عن ايمانها الشديد به  وثقتها فيه , و المعروف ان الجيش كان حريصا على الا يتورط فى اعمال عنف ضد المتظاهرين و الانتصار لمطالب الناس حتى النهاية و ان كان صمته يوم موقعة الجمل لا يمكن تفسيره الا على انه نوع من التواطؤ الذى تغافلنا عنه و تعاملنا معه كأنه لم يكن .
ثقة الناس بالجيش سرعان ما تحولت الى ايمان مطلق لا يقبل الشك , و هو ايمان لا يمكن تفسيره الا فى ضوء عدد من الحقائق , اولها اننا لم نتخلى عن موروثاتنا السياسية العقيمة بعد , مازلنا نؤمن بفكرة المستبد العادل , و مازالت افكارنا عن التغيير السياسي متمركزة حول الاشخاص بدلا من ان تتمركز حول حلم دولة المؤسسات التى يصبح فيها الرئيس موظفا و ليس الحاكم الذى نأتمر بامره و نسبح بحمده .
الحقيقة الثانية هى انه اينما وجد الجهل وجدت الديكتاتورية , و هذه المقولة تنطبق بشدة على الوضع السياسى فى مصر الان . فنسبة كبيرة مننا تعانى من الجهل الذى يترتب عليه نوع من القصور السياسى و الذى يترتب عليه بدوره انصياعنا لذلك الخطاب السياسى الابوى الذى تتبعه القوات المسلحة مثلما اتبعه الرئيس المخلوع مبارك , و الذى يعتمد على الاستمالات العاطفية من ناحية و تسخير وسائل الاعلام القومية فى مدح الثورة و شباب الثورة من ناحية اخرى و ما بين هذا و ذاك يتم تمرير رسائل كثيرة مفادها ان على " الشباب" ترك الفرصة لل" كبار " و هم هنا القوات المسلحة لاستلام زمام الامور و الوصول بالثورة الى بر الامان و دمتم سالمين و كأننا على استعداد لتصديق ان الجيش الذى ينفرد بزمام الحكم فى مصر منذ 1952 و حتى الان على استعداد للتنازل عن السلطة بهذه البساطة بل و السذاجة المفرطة بين ليلة و ضحاها .
و الدليل على ذلك ما حدث بالامس عندما بدأ الجيش بالفعل فى استخدام العنف فى مواجهة المعتصمين بميدان التحرير و امام البرلمان و الغريب انه و باستخدام نفس الخطاب الابوى غفر الناس له بشاعة ما حدث بالامس لمجرد ان المجلس الاعلى للقوات المسلحة قد اصدر بيانا يعتذر فيه عما حدث.
ربما كانت لدى الجيش نوايا حقيقية نحو اصلاح الحياة السياسية فى مصر و لكن لاثبات صدق هذه النوايا عليه ان يعيد النظر فى الحكومة الحالية التى يترأسها احمد شفيق الذى لا يمكن الوثوق فيه لاسباب كثيرة ليس منها فقط انه واحد من الحرس القديم او انه كان من المقربين للرئيس المخلوع او انه تعامل مع الجموع التى خرجت الى ميدان التحرير فى الايام الاولى للثورة باستعلاء شديد من خلال الخطاب الاعلامى الذى خرج به على الناس .
تلك الحكومة التى مازالت تضم بين عناصرها بقايا النظام الفاسد و نقصد بذلك وزير العدل و وزير الخارجية او اسماء تؤكد ان الطريقة التى تم بها اختيار الوزراء اتسمت بقدر كبير من العشوائية و الغباء السياسى و نقصد بذلك " محمد عبد المنعم الصاوى " وزير الثقافة المزعوم و الذى مجمل علاقته بالثقافة تتلخص فى حملات " الدائرة البيضاء" و " لغتنا الجميلة " .
اذا عدنا مرة اخرى الى الجيش الذى يزعم انه بدأ يحقق مطالب الثورة و مازال يعمل على ما تبقى منها ,  سنكتشف ان مطالبنا يتم التحايل عليها و ان الثورة نفسها يتم الالتفاف حولها فى محاولة واضحة لاختطافها على مرأى و مسمع منا و الأدلة كثيرة منها :
1- مازالت حكومة " شفيق " تباشر عملها رغم انها تفتقد للشرعية الشعبية و الثورية و حتى الان لم يقدم الجيش تفسيرا واحدا لأسباب تمسكه بها و ب"احمد شفيق " حتى الان .

2- مازال الجيش مصرا على تجاهل مطلبنا الاساسى بضرورة وجود حوار وطنى شامل من اجل صياغة دستور جديد نهتدى به فى كتابة فصل جديد من فصول تاريخ مصر المعاصر ومازال مصرا على قراره بتعديل مواد من دستور فقد شرعيته بسقوط النظام الذى كان يدعمه .

3- مازال جهاز امن الدولة قائما و مازال يواصل الاعيبه التى تتسم بقدر لا بأس به من الغباء و عدم القدرة على التطوير فبعدما استخدم كل الاسلحة التى كان يمكن استخدامها منذ بداية الثورة و حتى الان عاد مرة اخرى لسلاح الطائفية مرة اخرى و ليراهن من جديد على قدرة الدين على اشعال الحرائق و تقسيم الصفوف , فبدأ باخراج السلفيين من جحورهم , لتتوالى بعد ذلك سلسلة من الاحداث مثل مقتل القس, ثم الهجوم على دير وادى النطرون , ليتبع ذلك خروج المظاهرات فى اسيوط دفاعا عن الدولة الاسلامية و خروج المسيحيين فى المقابل دفاعا عن الصليب و لكن اغلب الظن ان المصريين قد تعلموا الدرس جيدا بعدما ادركوا كيف كان العادلى متورطا هو و اجهزته فى قيادة احداث العنف الطائفى التى شهدتها مصر على مدار السنوات الاخيرة.
لكل ما سبق و لاسباب اخرى اتصور ان علينا ان ندرك ان كسلنا السياسى لن يفيدنا الان و ان المعركة لم تنته بل و ان المهمة اصبحت مهام تتنوع بقدر تنوع اهدافنا الاصلاحية . فالدفاع عن مدنية الدولة مهمة , و اسقاط الحكومة الفاقدة للشرعية مهمة و مواجهة المنتفعين و المتنطعين سياسيا الذين يلتفوا من وراءنا للتفاوض باسمنا مع الجيش مهمة , و محاربة الفتن الطائفية مهمة ..و اخيرا و ليس اخرا صياغة دستور جديد يخلو من المادة الثانية و غيرها من المواد التمييزية المعادية للمواطنة هو المهمة الاكبر و الاكثر تحديا لنا جميعا .